اسلاميات

مدخل الى القصص القرآني

مدخل الى القصص القرآني

القران الكريم كتاب لا يخلق من كثرة الرد فهو محكم و فيه سر قاطع و هو تبيان لكل شئ و لقد تعهد المولى عز وجل بحفظة الى يوم الدين. فمن الجوانب ذات الفائده العظيمه فيه هو القصص القرانى الذى يسرد اخبار الامم السابقه و حالها مع انبيائهم. و الحكمه الكبرى من تلك القصص لا يعلمها الا الله سبحانه و تعالى لكن اجتهادات العلماء فى التفسير و التأويل تشير الى انها لغايات كثيره منها شد اذر النبى صل الله عليه و سلم فى مواجهته للمعارضين لدعوته من قومه و توضيح ان الرسل السابقين له قد واجهوا مثل ما يعانيه، و هناك ايضا العبرة و العظه حيث اخبرنا المولى عز وجل فى كتابه الحكيم “لقد كان فى قصصم عبره لاولى الالباب ما كان حديث يفترى” سورة يوسف: 111. و يمكن القول بان تلك القصص هى توضيح عملى لنهايات القرارات التى يمكن ان يتخذها الفرد او الجماعه و بالتالى امكانية العوده الى الطريق المستقيم قبل فوات الاوان. فالقصص القرانى ليس هدفه اثارة الحواس او تغييب العقول و تخدير النفس بل العكس ايقاظ الهمه و غرس الفضيله و السمو بالروح، يقول الله تعالى: “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا” النساء:87, وايضا قوله عز وجل: “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ” يوسف:3. و اذا تحدثنا عن البلاغه فى السرد و الفصاحة فى الالفاظ فنجد انها فى اكما صوره و انها ذات تأثير فى صلاح القلوب و الاعمال.

أنواع القصص القرآني

اذا اردنا ان نحصر التفاصيل فى القصص القرانى كلها التى دونت سنحتاج الى الكثير من الاسهاب فى الشرح لكن سنحاول ايجاز ذلك الموضوع فى نقاط توصل الى الهدف. فالقصص القرانى نجد انها تنوعت كالاتى:

قصص الأنبياء

عند قراءة القران الكريم بتدبر نجد سرد لقصص الانبياء مع قومهم فى اكثر من موضع لكن وجودها فى كل موضع لها حكمه تختلف عن الاخرى، بمعنى و على سبيل المثال لتوضيح المراد توصيله قصة سيدنا ادم عليه السلام، نجد انها ذكرت فى اكثر من موضع لكن بالتدبر فى معانى الايات و الغايه من وجودها نجد انها تؤكد على مفهوم يجب اخذه فى الحسبان و التركيز عليه. فبتصور مشهد الملائكه و هى تنفذ امر الله سبحانه و تعالى لها بالسجود لسيدنا ادم  و امتناع ابليس عن تنفيذ الامر، مره ذكرت فى سورة البقره بقوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيْسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِيْنَ (34)”، و فى سورة الاعراف بقوله تعالى  “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (١٢)” ففى الايه الاولى نجد ان السياق العام هو توضيح عملى لمصير من يمتنع عن تنفيذ اوامر الله عز وجل و هو الكفر الذى نهايته الخلود فى النار، اما الايه الثانيه نجد تاثير النفس الخبيثه على قرارات الانسان و التى تكون سببا فى هلاكه و خسرانه دنياه و اخرته.

ايضا نجد فى القصص القرانى المتعلق بالانبياء ان احداث القصه تكتمل عند تجميعها من الايات التى تناولتها فى اكثر من موضع و المثال الاوضح على ذلك هو قصة سيدنا موسى عليه السلام. فنجد ايات تناولت البيئه التى ولد فيها سيدنا موسى عليه السلام فلقد تناولت الايات قصه فرعون و حلمه الذى تم تاويله بانه سيولد مولود سيكون سببا فى هلاك ملكه لذلك امر بقتل كل الذكور التى تولد، لكن اوحى الله سبحانه و تعالى الى ام موسى ان ضعيه فى التابوت و اقذفيه فى اليم ليتربى فى بيت فرعون كمثال واضح بان الامور كلها بيد الله عز وجل. و تمر الايام يقتتل رجلان و نظرا لرفضه الظلم قتل المعتدى خطأ و ترك البلاد، و تسرد ايات اخرى لقائه مع النبى شعيب و تزوجه من احدى ابنتيه ثم بعد ان اتم اتفاقه ترك البلاد ليعود الى موطنه و تخبرنا الايات بتكليفه بالرساله و تايده بمعجزات، ثم ايات اخرى وقوفه امام فرعون ليدعوه الى عباده الله عز وجل ثم ايات يوم الزينه لبيان معجزته الكبرى و هى تحول عصاه الى ثعبان كبير ثم ايات اخرى الخروج مع قومه و معجزة شق البحر و اخيرا موت فروعن غرقا. و تلك القصصه فى احداثها هى جرعات لشحذ همة سيدنا رسول الله صل الله عليه و سلم و لتقوية عزيمة المؤمنين معه حيث هناك احداث مشابهه مرت و انتصر الحق فى النهايه.

قصص الانبياء تعدد و فيها معين من يريد التبصره لحياته المستقبليه حيث تنوعت فى مراميها و لم تكتفى بالجوانب العقائديه و الدينيه فقط و انما شملت ايضا الجوانب الاخرى منها الاجتماعيه و الاقتصاديه و ايضا نظم الحياه الساسيه. فنجد قصة سيدنا نوح عليه السلام تعطى بيان بان الجماعه المؤمنه هى التى ستنجو و سيهلك كل العصاه التى استنفذت معهم كل سبل الاصلاح. فى قصة سيدنا يونس عليه السلام لم يستطيع تحمل تعنت قومه و صده له فكان نصيبه ان يبقى فى بطن الحوت ليعود الى رشده و عندما تاب الله سبحانه و تعالى عليه عاد و استكمل مهمته و هى اشاره لكل من يحمل هم الدعوه ان يتحمل و يصبر. و قصة سيدنا يوسف توضح كيفية التعامل مع الشدائد و امراض النفس خصوصا داخل الاسره.         

قصص الأشخاص

القصص القرانى لم يقف عن سرد قصص الانبياء و المرسلين الذين كانت لهم صله بالسماء و و يتلقون تعاليم الوحى المكلف بها فقط و انما هناك سرد لاشخاص لهم بصمات واضحة فى التاريخ الانسانى و حقيقة معرفتها هى زاد لمن يريد الحصول على الحكمه و يسعى للوصول الى الحقيقه. من تلك القصص قصة دو القرنين الذى بلغ مغرب و مطلع الشمس و وصل الى السدين و بنى حاجز لمنع شروح قوم يأجوج و مأجوج المفسدين.

و قصة العبد الصالح مع سيدنا موسى عليه السلام الذى بين له بامثلة عمليه بان هناك نوع من العلوم لم يحصل عليه حيث انه هبه من الله عز وجل يمنحه لمن يشاء. و هذا العلم ربما لا يتحمله كل شخص و لا يطيقه و هذا ما حدث مع سيدنا موسى عليه السلام عندما وجد هذا العبد الصالح يقوم باتلاف سفينه لمساكين يعملون فى البحر، بل لم يتحمل سيدنا موسى قتله لغلام صغير و بلغت قدرة احتماله ذروتها عندما قام هذا العبد الصالح ببناء جدار يوشك على السقوط فى قريه امتنعت عن تقديم زاد لهم و هم جائعون. مظاهر تلك الافعال لم يستطيع سيدنا موسى عليه السلام الصبر عليها لكن عندما وضح له العبد الصالح السبب علم ان هناك امورا لا يعلمها و عاد الى طريق الصواب.

من قصص الاشخاص ايضا الذين لم يذكر القران اسمائهم و انما خلد افعالهم لاهميتها هو قصة مؤمن ال فرعون الذى قال كلمة “وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ، وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ” غافر : 28 و ربما هذا الرجل ايضا الذى اخذ مبدا الرخصه فى الدعوه و الاصلاح لمساندة ما يدعو الى الخير و تلك اشاره قويه يجب العمل بها و هى مساندة كل من يدعو الى الخير فتول الايه “وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى” غافر : 20. فى نفس السياق ايضا  ايه سورة يس “وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين (20)” فهذا رجل اخذ بالعزيمه و لم يكتفى بالمسانده اللفظيه فقط للمرسلين الذين يريدون الصلاح و الخير فكان جزائه القتل حيث اظهرت الايات قوله “يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى و جعلنى من المكرمين” يسن:27.

قصص الأحداث التاريخية

اشتمل القصص القرانى على توثيق احداث لما لها من أهميه فى التاريخ الانسانى سواء فى خيرها او فى شرها. فمن تلك القصص معاملة الاسرى فنجد الايات قد اوضحت الاسلوب الامثل للتعامل مع الاسرى خاص و فى تناولها احداث غزوة بدر فى قوله تعالى “ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض” الانفال: 67. من قصص الاحداث ايضا و التى لها تاثير ضار على الحياه الاجتماعيه قضيه قذف المحصنات و الخوض فى الاعراض و نجد ذلك جليا فى تناول احداث قصة الافك التى تعرضت لها ام المؤمنين عائشه رضى الله عنها  فى قوله تعالى “انَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ (11)” النور.

أهداف القصص القراني

  1. وسيله سهله لترسيخ العقيده و زيادة الايمان بالله سبحانه و تعالى فى النفوس
  2. تثبت النبى صل الله عليه و سلمه و من معه و من سيسر على دربه فى طريق الدعوه
  3. الدعوه الى الفضيله و مكارم الاخلاق
  4. بيان عظم قدرة الله عز وجل

هناك اختلافات بين القصة الدينية والقصة الفنية, وأهمها أن القصة القرآنية دائما ما تؤكد الغايه من خلال الايات التي تتكرر فيها, سواء التي تسبقها أو التى تليها بما يبررها حتى يكون لها تاثير في النفوس. فالقصة القرآنية تحرص على اظهار الحكمه في حين لا يجوز ذلك في القصة الفنية. القصة القرآنية قصة إيمان وهدفها تربية العقيدة في الوجدان الإنساني و حيث ان القران الكريم لناس جمعيها فهى تعد من الاساليب البسيطه التى يسهل على العامه فهمها. واخيرا على المتدبر لقصص القرآن الكريم التركيز على الأهداف الدينية و التربوية و على العبر و الإشارات و اللطائف و الأهداف.

السابق
مدخل الى الأحاديث النبوية
التالي
مدخل الى الأدعية و الأذكار

اترك تعليقاً